رَائِحَةُ صَبَاحِ الْقـَاهِرَةِ فِي أنْفِي !

حيـن تنـاولت هـذا الصبـاح كوباً من النسكـافيه لدواعي امتحانية تستدعي مني البقـاء مستيقـظة باطنياً /ذهنياً قبل الاستيقـاظ ظارهياً.. عـادت بي الذاكرة إلى صيف 2005 .. إلى صبـاحات القـاهرة التي كنت أهوى حينهـا، فكـان لكوب النسكـافيه الذي تناولت ذات الطعـم والرائحـة.. فمنذ أن غـادرت القـاهرة ذلك الصيف المميز جداً بالنسبة لي.. لا أتذكر إني تذوقت كوب من النسكـافيه.. وقد أكون تناولت في يوم مـا خلال الثلاثة أعوام المـاضية.. إلا أنني لم أتذكر أني تذوق كوباً أعـاد لي ذاكرتي إلى هنـاك كـ كوب اليوم !

قد تتعجبون إن أخبرتكم أن في رحلة الصيف تلك إلى القاهرة كعـادة أسرتي والتي تستمر لـ شهرين من الزمن، نستغرقهـا هنـاك عادة في شهري يوليو وأغسطس من كل اجازة صيفية تقريباً.. كـانت مختلفـة بالنسبة لي جداً.. فأنـا لا أتذكر من كل رحلاتي إلى القاهرة التي سبقت صيف 2005 والتي تلتهـا إلا رحلة شتائية واحدة كانت تحمل ذكريـات أليمة، ولا أحب استعادتهـا أبداً.. والحمدالله أنهـا مرت تلك الأيـام الصعبـة وكـانت نهايتهـا طيبة ~

المميز في رحلة صيف 2005، أنه خلال الشهرين تقريباً.. لم أخرج من عتبة بـاب الشقـة أكثر من 10 مرات.. بينها المرة الأخيرة التي اتجهت بهـا إلى المطـار عائدة إلى أرض الوطن.. وأعتقد أنهـا تقل عن ذلك أيضاً.. أتذكر فقط منهـا الـ 5 مرات التي كنت استدعي بهـا السـائق “عمو محمد”  بوقت أبكـر من عادة خروج أهلي.. لكي أبدأ جولتي المكتبية براحة ووقت كافي في انتقـاء الكتب من مكتبات القاهرة الثريـة حقيقة بالكثير من الكتب.. حيث كـانت المكتبة هي وجهتي الرئيسية في نهـاية كل اسبوع أو اسبوع نصف.. حيـن انتهي من التهـام كل الكتب التي انتقيتهـا ل جلسة الاسبوع !

مازلت أتذكر كوب النسكـافيه الذي كنت أصنعه صباحاً.. وقطعتي التويكس المصـاحبة له.. وأنـا أبدأ بانتقـاء كتـاب اليوم.. وما زلت أتذكر بأدق التفـاصيل صبـاح القاهرة المنعش الصـامت السـاكن جداً.. والهواء العليل القادم من الشرفة.. ذلك الهدوء الذي يغطي الصبـاح بعـد صخب المسـاءات وسهـر المقيمين في القـاهرة حتى الفجر.. مواطنين كـانوا أم سـائحين.. فالقـاهرة تدب فيهـا الحيـاة 24 سـاعة بلا انقطاع.. تسكن شوارعهـا بارتفـاع آذان الفجـر.. وأنـا بالشرفة كنت ارتشف من كوب النسكـافيه قليلاً ومن السطور كثيراً !

أجلكم الله استعدت نبـاح كلب أحد القاطنين في المنطقـة ذاتها.. فهو لا يهدأ ليلاً ولا نهـاراً.. وأتذكـر سـاعي الصحف اليومية الذي انتظره لكي ارقـب مجيئه صباحاً ورميه لـ الصحف اليومية في شرف شقق مختلفة.. تلك التي لديهـا اشتراكـات في الصحف المصريـة.. كنت في البداية اتعجب من دقة تصويبه كثيراً.. باختلاف ارتفاع الأدوار التي يرمي في شرفهـا الصحف.. لكن في أحـد الأيـام بقي يرمي الصحيفة لإحدى الشرف لـ 3 مرات متوالية.. والصحيفة تأبى أن تعود << لا تظنوا أبداً أن لي عيناً حاسدة أثرت عليه.. لأنهـا لو كانت كذلك لأثرت في أول يوم.. حين اعتلت الدهشـة وجهي مطلقاً في أول زيارة لي للقاهرة قبل عشر سنوات !

كـانت ساعات النهـار هـادئة جداً.. استمتع بقراءة الكتب التي تحتاج إلى ذهن متفتح في استيعابها، وكنت اختار كتب العقـاد والشيخ محمد الغزالي غالباً في مثل هذه الأوقـات.. وحين يبدأ أفراد أسرتي بالاستيقاظ.. واحداً تلو الآخر.. في وقت الظهيرة غالباً.. انتقل لـ استخدام الشبكة العنكبوتية.. والجلوس خلف شاشتي الزرقـاء.. إلى أن تستيقظ أخواتي اللاتي يشاركنني غرفة النوم.. فانتقل لـ القراءة مجدداً في تلك الزاوية التي كنت أحب.. كنت فقط اتنقل بين كتبي وبين التسكع في الشبكة العنكبويتة.. بعـد الانتهـاء كنت أنثر كثيراً في إحدى الدفاتر التي أخذتها برفقتي.. وأعتقد أنه مازال بحوزتي ولم ألقمـه لـ النـار بعـد !

أتذكر جيداً.. حين اشتريت ثلاثية أحلام مستغانمي.. وقرأت كل رواية من الثلاثية دفعة واحدة.. بساعات نوم قليلة بين روايـة وأخرى.. أتذكر جيداً.. أني لم أجلس في تلك الثلاثة أيام خلف الشاشة الزرقـاء.. ولم أتناول إلا وجبة واحدة في كل يوم.. خوفاً من الانقراض ( إن لبدنك عليك حق).. وبعد الانتهـاء من الروايـات.. ربمـا نثرت من السطور مـا يعـادل الخمس صفحـات أو أكثر.. لـ فرط المفردات والأحـاسيس التي سكنتني وأنـا أقرؤهـا.. ومازلت حين أرى هذه الثلاثية على رفوف مكتبتي المنزلية.. ابتسم وأتذكر الاحسـاس ذاته.. فأحلام أديبة مختلفـة جداً.. وحدهـا من غلبت سلطـان النوم على أجفاني !

أتذكر أحداث وتفاصيل أخرى كثيرة من ذلك الصيف دون غيره.. لأن الوقت كـان مختلفاً فعلاً.. فكله لي وحدي فقط.. رغم أني أمضيت أغلب ساعات الرحلة في المنزل.. فنا فقط أحتفظ بالذاكرة ليلة واحدة رافقت بها أسرتي لـ Nile City ويوم آخر رافقتهم به إلى مدينة الملاهي Dream Park.. وربمـا خرجت للتسوق مرتين ولا أعتقد أنهـا أكثـر.. فحيـن حزمت حقائبي استعداداً لـ العودة.. كـانت الحقيبة ممتلئة كتباً كثيرة.. وقلبي ممتليء فرحاً بها !

حقاً كـان الصيف بنكهته الخـاصة حينها.. فرفقـة الكتب وتلك العقليـات الرائعة والمختلفة التي عشت في أجوائهـا.. وتنقلت بين سطورها.. ومازلت أعود لبعضها التي تبيت على رفوف المكتبة.. وآخر  يبيت عند رفقة لي استعارتها.. من أكثر الأوقـات متعـة وتميزاً في أجواء القـاهرة.. ولا أظن أنهـا ستمحى من الذاكرة ~

شكـراً لـ كوب النسكـافيه الذي عـاد بي لتلك المحطـة ~

،

بـ حفظ الرحمن ~

6 تعليقات to “رَائِحَةُ صَبَاحِ الْقـَاهِرَةِ فِي أنْفِي !”

  1. يقول mirage:

    ::

    ومن منّا لا يرغب بـــ الإنصات إلى حروفك؟!

    لكن،،،

    كأني أرى أنك ارتشفت الحروف أيضا ً 😆

    ::

    مقتطفات على ثرثرتك:

    ألم تكن أمطار الشتاء كفيلة بإزالة تلك الذكريات؟!
    أسأل الله أن لا يعيدها.. وأن يرزقكم كل الخير ~

    ::

    الحسود لا يســـود 8)

    ::

    لو كنت مكانك لـــ جعلت رحلتي كلها “ســوق ” وملأت حقيبتي بل حقائبي منه 😉
    ولامانع من يوم واحد لــ المكتبة 🙄

    ::

    همسة: لا أفضل الثرثرة العنكبوتية معك..

    لكن سأجعلها معك هذا الصيف من نوع آخر 😉

    ::

  2. يقول fire:

    ما شاء الله
    يعجبني من الناس الذين يعشقون القراءة، ويستمتعون بصحبة الكتب
    وفقك الله

  3. يقول مصباح:

    كوب النسكافيه, المبنى اليديد وبعض الأوقات التي كان النوم يصر على أن يسكن أجفاني.. الله يالجامعة : )
    بس تراه لا يعلو على الهوت شوكليت والشاي حليب : )

    ..

    مصر والكتب.. بدت تستوي عندي عقدة :mrgreen:
    ما إن تُذكر مصر, حتى أسمع زفيراً برائحة الحنين.. وعبارة ” عمااار يا مصر” ” عويش, متى بنروح مصر؟”
    إلا أنه “لا” كبيرة جداً للقاهرة.. اسكندرية وبس : )
    كل ما ذكرنا السفر, اقترح بو غاية ” مصر” وأجواء الاسكندرية اليقظة 24 ساعة..
    الشرفة المفتوحة.. النسيم.. أبواق السيارات.. وكل شيء..
    وأهم شيئين… النوم على الأريكة بصحبة رواية أمام الشرفة المفتوحة..
    والبحث بين الأزقة عن كتب القانون القديمة.. والمراجع النادرة.. بملابس “سبورت” وملامح شقراء ولهجة مصرية.. وواسطة المستشار .. للحصول على المطلوب من الكنوز : )
    والنهاية تأتي بـ شحن صناديق الكتب إلى أبوظبي : ) وأتوهق أنا بترتيبها !
    يحمسني دائما لمثل هذه التجربة.. أنّى لي بـ لحظة قراءة لذيذة بعد غاية؟ خل أمشط شعري أوّل!
    من الآن يود ركن ميزانية لمعرض القاهرة.. الله يستر يناير القادم..!

    بنعطيج غاية.. وبسير أقرا فـ مصر.. شو رايج؟

  4. يقول lil.D:

    وكأني أعيش معك تلك اللحظات 🙂 .. فإذا كان كوب القهوة يرجع لك ذكريات القاهرة، فما يعيدني إليها هو صحن من ( أم علي ) .. فأنا حتى الآن ومنذ 3 سنين أبحث عن أي شخص يستطيع أن يقدم لي طبقاً منها كالذي أكلته في (الحسين) خصوصا في (نجيب محفوظ) .. سافرت إلى مصر كثيراً، والذهاب إلى مطعم (نجيب محفوظ) أصبح شيء مهم جداً بالنسبة لي، يجب أن أقضي ليلة كاملة في الحسين، أتمشى بين أروقتها، أتفحص الفضيات، وفالنهاية أستمتع بالجلوس مع العائلة في هذا المطعم، لقد أصبحت (أم علي) تقليداً عائليا بسببي أنا ..

    الآن فقد أعدتي لي ذكريات تلك الأمسية، بين رائحة (معسل التفاح)، وحديث الناس، وصوت الفرقة الموسيقية والناس يغنون معهم (سواح) ..

    لمصر ذكريات كثيرة، أجملها ليالي الحسين، وشواطيء الاسكندرية، لقد أثرتي الشجون يا هطول!!!!

  5. يقول كلمات من القلب:

    يا أختي هطوووووووول…
    ماذا ……….أقول…قهوتك أعادتني إلى الوراء …لسنة 2000…ذكرتني بألذ قهوة ” القهوه التركية” التي لم أشربها إلا مرة واحدة في حياتي …….أتعرفين لماذا ؟؟ لأني خفت أن أدمن عليها…فلا أحب أن أعلق قلبي لشيء أصبحب سجينته…بل أحب أن أكون كالطائر الحر فالسماء يحلق دون قيد……يتنفس الهواء الطلق بعمق……نعم بعمق…فما أجمل الحرية..
    ………….وأنا المرأه الحره… التي تأبى القيود….وتتمنى لكل الشعوب أن تعيش بحريه

  6. يقول ريم محمد:

    مساؤك هطول مطر..
    .
    هطلت هناك .. فأحببت أن أبحث عن هطولك ..فوجدت هطول عامرة,,
    سعيدة بوجود مدونة غاية في الرقي..
    قلمك يثير الكثير من الإعجاب..
    .
    عذرا فأمامي جولة تحت المطر في مدونتك..
    .
    أختك ريم..

Leave a Reply